أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
196
التوحيد
ذلك . ثم لا أحد يعلم عالما بشيء لا علم له به ، قادرا على شيء لا قدرة عليه ، بل كل معروف ينفي القدرة والعلم موصوف بالجهل والعجز إذا احتمل الوصف بالقدرة والعلم إنه عالم قادر ، ولا قوة إلّا باللّه . وإن رجع إلى اعتبار المعاني التي هي أسباب حقائق الأشياء فذلك له مسلم ، ولا معنى لقوله ببديهة العقل ، إنما ذلك حق الطباع ونفاره . ثم ينكر أن يكون في خلق اللّه قبيحا في الحقيقة وشرا وفسادا ، على وجود ما لا يحصى من ذلك على هذه الأوصاف بالعقول ، بل اللّه جل ثناؤه بما جعلها كذلك صرف بها مثل ما قبح من الأفعال وتقطيع منظره أوعد به ذو عقل أين الذي ينكر مثل هذا من دعوى بداية العقول . ثم لم يزل أئمتهم كلموا الثنوية بجواز كون الخير والشر والطيب والخبيث من واحد ليدفعوا به القول بالاثنين ، ثم رجعوا إلى إحالة أحد الوجهين عن اللّه ، فمن حق الوجه الآخر في الموجود في العالم أوجب ما قالت الثنوية ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم دفع ما عورض بخلق شيء لا ينتفع به بما لم يدل ذلك على تكليف الزّمن ، فهذا يبيّن أن الذي قال ببديهة العقل كذب ، وأنه إنما ادعى القياس على ما وافقه خصمه عليه لا غير ، ثم حصل بما عارض به خصمه مما ادعى ببديهة العقل على من يثبت صدقا مما هو كذب في الشاهد . ثم أجاب بما يوجد احتراز النفع بالفعل لا يحق عليه ، ثبت أن ما قبح منه لم يقبح لعينه ، وكذلك يجد خصمه مما يقدر عليه لا يجوز التكليف به ، ثبت أن ذلك لم يقبح لنفسه نحو الفواحش والكفر ، ولا قوة إلّا باللّه . وذا أولى لما يجئ مثل هذا من الصغار لا يلحقه وصف فحش ولا كفر ، ولا يجئ منهم فعل غير نافع نفسه يوصف بالحكمة ، والذي قال من إضرار النفع فهو من ذلك الوجه حكمة ، ولكن من وجه الضرر صار كذلك ، وهو ضرر العاقبة أو كفران النعمة أو مخالفة الرب في الفعل . وإذا كان به دفعه ولزمه السؤال ولم يلزم خصمه فيما عارضه بالزّمن الذي أجابه مما ينقض عليه ليعلم به بعده عن الحق فيما يوافق عليه ويخالف فيه جميعا . ثم إن جواب خصمه سهل ، وهو ما بيّنا ، واللّه أعلم . ثم قال : ذلك الذي قيل فيمن يفعل لحاجة . قيل : والأول أيضا قبح ممن لا يملك التقوية لو طلب منه وتضرع إليه . ثم عارض نفسه بمن يدفع إلى عبده ما يعلم أنه يعصيه به فقال : قد يكون ذلك حكمة نحو من يعلم بخبر الرسول أنه لا يؤمن ، يجوز أن يطعمه ونحو ذلك مما يعلم من تأمله جهله بما عارض به نفسه ؛ لأن الذي ذكره لا يجوز أن يعطيه ليؤمن بذلك بعد علمه بأنه لا يفعل ، وإنما يعطيه لمنافع سوى هذا . والمعتزلة تزعم أنه أعطى القوة ليؤمن بها ، وهو يعلم أنه يكفر بها ، فليس ذلك مما قدر في شيء . ثم المعارضة كانت فيمن يعصيه ، فلا أحد يعد نفسه في الحكماء إذا علم أن عبده بالذي يعطيه يعصيه ولا يكتسب رضاه بل يعمل بعداوته وشتمه ، ولا قوة إلّا باللّه .